النساء الغزيات في ظل الحرب…مخاطر جسدية ونفسية وانعدام للخصوصية وظروف معيشية مزدحمة بالنازحين
غزة – إسراء خالد أبو جلالة
“شعري من أول أيام الحرب ما شاف الشمس ولا الهوا خايفة يصير فيه اشي فالحل الوحيد أن أقصه، والقشرة زادت مع الحجاب ما بكون في فرصة الا بأخر الليل وبتكون لحظات بسيطة فترة تسريح الشعر”. نور هذه الشابة الجميلة التي حرمتها الحرب على غزة من ممارسة أبسط حقوقها كإنسانة الا وهي النظافة الشخصية.
ففي يومٍ لم يكن عادي غزت الطائرات الحربية سماء المدينة وبدأت معاناة جديدة يعشيها الغزيين من الدمار والخوف والتهجير والاف الشهداء والجرحى.
ووسط هذه الفوضى يجدٌ الغزّي نفسه بين نارين، نارٌ البقاء تحت الصواريخ والخوفِ والدمار ونار الهروب من الموت وترك المنزل وممتلكاته وذكرياته في رحلةٍ قاسيةٍ تحملٌ معها قصصاً لا يمكن أن تغادر الذاكرة مهما بقي على قيد الحياة!
حيثُ بدأت سلسلةً من التهجير من شمال غزة إلى جنوبها بآلاف الغزيين صغاراً وكبار ، أطفال ونساء مشياً على الأقدام عبر ممرٍ ادعى الاحتلال أنه أمن !
كان هذا ممراً أشبه بالموت ! فيه اعٌتقل المئات واستُشهد العشرات وأصيب جميع من مر به إن لم يكن برصاصات الاحتلال فحتماً انه سيصابُ بأزمةٍ نفسيةٍ لا تفارقه طوال حياته بأن وجد العدو أمامه، نجا من وصل ومات من ذهب لقبضة السجان اللعين.
وازداد الخوف بعد هدنةٍ انسانيةٍ فرضها الاحتلال لاستعاده بعضاً من أسراه، لكنه عدو لم يشبعه الثلاثون ألف من الشهداء والاف الإصابات ومئات القصص والتشرد والدمار والتخريب وقتل الأطفال.
حيثُ ينتظر الغزيين خبر وقف إطلاق النار منذ اندلاع الحرب في أسبوعها الأول لعودة النازحين لبيوتهم واعادة الإعمار ان لم يكن مبانٍ ليكن لإعادة الطمأنينة للنفس التي فٌقدت من أول ساعات هذا الطوفان.
الهاربين من الموت
أما رفح، هذه المدينةِ التي احتوت الهاربين من الموت حضنت من هم يبحثون عن مكان أمن، لم تسلم من ضربات الاحتلال فهي تتعرض لأقصى وأعنف الضربات براُ وبحراً وجواً يستهدف الأمنين في الخيام الجالسين على التلال المنظرين للآمال.
فيها اليتيم والجريح والمحتاج فيها المكلوم والمنكوب والطفل والرضيع، فيها يسير الناسٌ سٌكارى وعلى أعينهم غشاوة لا يدري أي منهم إلى اين يذهب، فلم يبقى شجرٌ ولا حجرُ ولا حتى رصيف.
وفي ظل هذا الواقع المؤلم لا تجد النساء أبسط مقومات الحياة الطبيعية، ولا حتى أية تلبية لاحتياجاتهن الانسانية فما تتعرض له الفتيات والنساء الغزّيات خلال الحروب وفي هذه الحرب الأخيرة على قطاع غزة تحديدا يفوق الخيال، فتواجه النساء مخاطرا جسدية ونفسية وانعدام للخصوصية بحكم أنهن في ظروف معيشية مزدحمة بألاف النازحين وافتقار لأماكن منفصلة للاستحمام والنوم.
فالمستلزمات الخاصة للنظافة الشخصية أشبه بالمعدومة وإن وجدت تكون بأضعاف مضاعفة للسعر الطبيعي وهذه كارثة نفسية جسدية تواجه النازحين لعدم التمكن من الحفاظ على النظافة الشخصية.
في هذا السياق تتحدث الشابة نور عن معاناتها في الحصول على مستلزمات الراحة والصحة ” الحجاب طول اليوم على روسنا وقصينا شعورنا لأن ما في أدنى اهتمام فيه خايفين يصير فيه أمراض!”.
وحالها كحال الاف الفتيات النازحات اللواتي تهددهن الأمراض التي تصيب الفتيات في الحروب وأبرزها القشرة والقمل والفطريات الجلدية وتساقط الشعر ونقص الفيتامينات والمعادن التي تفيد بٌصيلات الشعر وهذه بمثابة حرب نفسية لهن لأن شعرهن أجمل وأثمن شيء لديهن.
ناهيك عن الدخول لدورة المياه فتقول نور” لا تتخيلي حجم الحرج والقهر الذي تعيشه الفتاة في الدخول للحمام لأنه مشترك ويكون دورا طويلا لساعات حتى تقضي الحاجة ومعك بس خمسة دقائق ما بتعرف تقضي حاجتك ولا تغسل وجهك ولا تفرشي أسنانك، وفي الاستحمام ما بتكفي المي للعدد الهائل من المتواجدين في المكان حتى كلنا نتحمم وفي بعض الأحيان ما نحصل عليه نص جردل مي (دلو) ما بكفي جسم ولا حتى شعر يعني بكون حمام على الماشي”
ويعتبر الاستحمام للنازحين من لحظات الانتعاش و الرفاهية النادرة ، ومن يتسنى له ذلك عليه التخطيط والانتظار طويلاً وهذا أمر معقد.
فيما يشكل الحصول على مكان امن ومناسب تحدياً كبيراً بالنسبة للفتيات في المخيمات لأن المساحة محدودة والخيام شفافة لا تستر شيء لكونها مصنوعة من النايلون والقماش الخفيف وذلك يقلل من فرصة الراحة والعثور على الخصوصية .
صارلي شهر ما شفت وجهي في المراية
وأعربت الشابة “إ،ج” عن اشتياقها لأيام ما قبل السابع من أكتوبر وغرفة نومها “أن كنت برتب في غرفتي الي ما بلاقي راحتي إلا فيها وكل اشي جبته بعناية واهتمام وكل أشيائي وذكرياتي فيها ومراية أخر موديل ليلة الحرب وبعد 60 يوم طلعنا من البيت ولما طلعت قعدت أطلع في البيت مش عارفة شو بدي أخذ لأن كل اشي بحبه في البيت حملت حبي وذكرياتي الجميلة وبعض من ملابسي، وتغير الحال وصرنا ما بنشبه حالنا ، واشتقت لمرايتي يمكن صارلي شهر ما شفت وجهي في المراية، مقعول باقية حلوة زي زمان ولا الدنيا قلبت علي؟، من فتاة مدللة لفتاة بتروح وبتجي لتقضي احتياجاتها واحتياجات العيلة لحتى نقضي يومنا “.
وفي النوم الغير مريح قالت: ” حصلت على فرشة ملاصقة للأرض ولا تكفي للراحة من تعب اليوم، والحجاب الي طبعا ما بفارقنا وبنغطي حالنا كلنا لأن المكان مشترك وما بدنا يبين منا اشي لما حدا يروح الحمام، والراحة شبه معدومة، يومنا طويل وأنا الوحيدة لأهلي وكل شغلنا على النار والجلي بالكيلة، والمشوار بعيد حتى نحصل على جالون مي والتسوق للأغراض اليومية شبه المعدومة وهاد كله بتسبب تعب وإرهاق على المدى البعيد”.
أما تجربة الدورة الشهرية بالنسبة للفتيات تمثل تحدياً كبيراً للفتيات في مخيمات النزوح وذلك لقلة الموارد والحصول على الفوط الصحية أشبه بالمستحيل وذلك بسبب الحصار المفروض مع الحرب المندلعة على قطاع غزة.
ويشكل نقص المرافق المخصصة للنساء أمراضا نسائية كالالتهابات الفطرية والبكتيرية لعدم إدارة الدورة الشهرية بالشكل الصحيح والنظيف.
واستكملت ” في أوقات الدورة كان الي جوي الخاص من الراحة وبشرب المرمرية وبعض المسكنات لكن في الحرب ما بنلاقي أي اشي لا فوط صحية ولا مشروبات ولا مكان للراحة ، المكان مليان ما بعرف أنام ولا أريح ظهري في هذه الأيام ما بلاقي خصوصية لأي شيء بدي أعمله “.
فلك أن تتخيل حجم هذه المعاناة التي تعانيها النساء والفتيات ، وكيف سيكون شعورك وأنت تلوك الوقت للبحث عن خيمةٍ أو مكانٍ جديد لتكمل فيه لحظات انتظار الموت!
وأنت في معمعة الحرب مع البقاء، وانتصار كل مقومات الحياة عليك، يجب ألا تنسى كل من خذلوك، كل من تركوك وحدك، وكل ما هان عليهم تعبك، وكل من تجرأ على كرامتك ولو بنظرة.


