بهية صيام..عندما تلاحقها ذكريات مؤلمة ”لمخلفات الاحتلال”
بعد نحو خمس وخمسون عامًا تتذكر بهية صيام تناثر أجساد أطفالها الثلاثة إلى أشلاء. بهية هي جدة فلسطينية من قرية لفتا وهي قرية مهجرة تقع غرب وشمال غرب مدينة القدس, هجرت من قريتها ومن بعدها سكنت في حي الشيخ جراح الذي يقع في الجانب الشرقي من البلدة القديمة في القدس, بهية قالت خلال وجودنا في حرش البيت في الشيخ جراح “هرعت حاملة آلاف الأفكار تصدع رأسي حول ما يمكن أن يكون سبب ذلك الصوت آشلاء….آشلاء…..آشلاء هذا ما امتلأت به عيناي حينها، جثث أبنائي الثلاثة تتنافر وتلتصق على جدران منزلنا, وبقايا لحم ودماء, وحذاء لينا المدرسي الجديد”
قبل خمسة عشر دقيقة……
“كنت أستقبل أبنائي العائدين إلى المنزل بعد يوم شاق وجميل في المدرسة,”منهكين وفرحين, ولكن للأسف لم يتمكن أبنائي من اللعب” تستذكر بهية في ساعات الظهيرة “ جاء أنور, صديق ابني يجمل رمانة حديدية ثقيلة الوزن عثر عليها في حرش يبعد بضع أمتار فقط عن بيتي, تناقلها الأخوة بصعوبة بأرجلهم الضعيفة والتي سرعان ما انفجرت وتحولت إلى ذرات بارود هزت المكان من شدة احتقانها, نعم انها قنبلة قادمة من مخلفات حقد أعمى يسمى الحروب”
مدللتها لينا توضع بأكياس بلاستيكية صغيرة, إنه المشهد المنحوت في ذاكرة بهية, فبين لحظة ولحظة تحول الأمر إلى مأساة” لا يمكن أن أنسى ما حدث ولو للحظة واحدة, يد كنت أمسكها باحكام لرقتها باتت أصابع متناثرة وعيون لينا تغمض للأبد وقلبها لا ينشل جثة جنب الى جنب”
بعد الحادثة طوقت قوات الاحتلال البيت بالسياج ومنعت دخول أي من الحاشدين خلف الأسوار المندهشين من هول الموقف, وهربت من بهية صرخات متتالية متعالية غير مصدقة حقيقة ما يحدث “ أخذت أتحسس أشلاء اطفالي, كابوس, هذا حتمًا كابوس, سأستيقظ واحتضن أطفالي وأنسى هذا الكابوس أبعدت قوات الاحتلال عن أطفالي بكل ما تبقى بيدي من قوة, لن يأخذوهم مني، أجساد اطفالي ممزقة بساحات المنزل وأشلاءهم متناثرة في كل مكان, سأدفنهم هنا الى جانب قلبي وأبلل قبورهم بدموعي وحرقة قلبي”. هذا ما أصرت عليه الأم المكلومة
زوجي سجينًا…..
لم يكتف الاحتلال بما حل بعائلة بهية, بل اعتقل زوجها الذي لم يتخيل يومًا ان يعود للمنزل دون أن يحمل المفاجات لأطفاله الذين باتوا جثث هامدة.
بادر الأهل والجيران الى فتح بيت العزاء الذي توافد العديد من سكان البلدة وخارجها ولم يغلق العزاء الا بعد أسبوعين.
تروي بهية” زوجي الذي خرج بعد يومين من التحقيق المكثف بخصوص مصدر القنبلة التي وجدت بحوزة أطفاله, كانت الفاجعة الأليمة له بسكون البيت وخلوه من أي همس, عاد الى المنزل ليشاركني هذه الفجوة الموجعة”
…..صراخ……دموع….الم
لم تخرج صورة وجوههم أصواتهم ولعبهم قبل الحادثة من ذهن بهية, فكل ما دار في رأسها أيام العزاء, صراخها من هول ما رأت وبات المشهد يلاحقها الى فراشها وفي منامها “اتفتتوا يما, رددت بصوت اعلى كل مرة, وعلى الرغم من كل الصراخ الذي أجهدني لأسابيع, إلا أن قلبي ما زال بنفس الحال يملئه ثقل العالم واكثر”
في كل عيد تذهب بهية مع ابنها محمد الى مقبرة الساهرة في القدس, حاملين أجمل الورورد لوضعها على قبور ابنائها الثلاثة الذين لم تتوقع للحظة واحدة أن تفقدهم, فها هم الان أصبحوا جثث بين آلاف القبور, ولكن بعد عدة سنوات اختفت هذه القبور بحجة اصلاحات بلدية الاحتلال بالمقبرة, واختفى بذلك أي وجود لأبنائها على هذه الحياة.
“وها نحن ما زالت الذكرى تحتضر بقوة كل لحظة نرى فيها محمود ولينا اللذان عوضنا واكرمنا الله بهم بعد ثماني سنوات من فراق ابنائي وكنت أنظر اليهم نظرة حرص وخوف, خوف من فراقهم وفقدانهم مثلما حل بأبنائي قبل خمسين عامًا”.


