ما بين الريشة والفأرة هل يفقد الفن قيمته؟
لطالما يعتبر الفن بكافة أشكاله سلاح عن ألف كلمة، ولغة يفهمها كل الشعوب باختلاف لغاتهم وأطيافهم ومعتقداتهم، فهل يفقد الفن التشكيلي روحه وشخصيته مع ظهور التقنية الرقمية؟ أم يستطيع نقل مشاعر الفنان الحقيقة بغض النظر عن التقنية؟ أم اختلاف الأدوات يلغي العملية الفنية؟ وهل يتساوى الفن التشكيلي التقليدي مع الرقمي في الإتقان والحرفية؟ وماهي أبرز الفروقات بينهما؟.
الريشة والفأرة، ما الفرق بينهما؟
ريشة باليد، وملابس ملطخة بالأصفر و البنفسجي والأحمر والأخضر وغيرها، ولوحة منصوبة على قاعدة خشبية أمام منظر طبيعي يملئه الخضار أو أمام مشهد غير مألوف، هذا أبرز ما يميز الفن التشكيلي التقليدي عن الفن الرقمي أو الإلكتروني، فما بين فن يستخدم الريشة وفن يستخدم الفأرة اختلفت آراء الفنانين، فمنهم من اعتبر أن الفن يبقى فنا باختلاف أدواته، ومنهم من يرى أن الفن يفقد قيمته بلا ريشة.
فالفنان التشكيلي علي السرطاوي كان يرى أن الفن بلا ريشة وألوان على اليد، لا يعتبر فناً، فقال حول هذا الموضوع: “لم استخدم الفن التشكيلي الرقمي لأنه بالحقيقة لم أؤمن به، لأنني أشعر أن اللوحة والعمل الفني إذا ما توفر فيه رائحة اللون وعرق الفنان وحسه وروحه، فلا يوجد به روح”
وتابع السرطاوي أن التقنية هي التي تساعد الفنان على تخطي الكثير من المهارات، وأضاف حول ذلك” الفنان عندما يعتمد على التقنية، هذا يعني أن الفنان فقد حسه الفني وفقد مهارته وفقد روحه في اللوحة والعمل الفني الخاص به”
وأضاف الفنان أن”الرسم بالريشة أو بالسكين الخاصة بالرسم أو بأي تقنية بستخدمها الفنان، يعتاد عليها ويصبح له تكنيك معين خاص فيه ولكن في لوحة المفاتيح ومع التكنولوجيا يملك الفنان عدة خيارات متعددة أكثر وأسهل جدا وبكبسة زر يكون قد قفز عدة خطوات مقابل الفنان الذي يعمل بيده ويستغرق وقت وجهد”
من جانب آخر، يرى الفنان ورئيس المجلس الاستشاري لوزارة الثقافة في محافظة سلفيت محمد نمر السرطاوي أن الفن التقليدي يتميز بِ موازنته بين العاطفة والناحية المادية وهذا ما يفتقده الفن الرقمي مما يجعل هذا الفن فاقد للحياة، ولكن نمر أكد على أن الفن التشكيلي الرقمي له أهميته ودوره مثل الفن التقليدي، وقال حول ذلك”الفن الرقمي لا يوجد به حياة، ولكن مع ذلك إذا كان الشخص فنانا ومبتكرا ويملك إلماما كبيرا بالفن يُنتج لوحات تعبيرية لها تأثيرها مثل إنتاجات الفنان عماد أبو شتية”
أما بالنسبة لأستاذ الفنون والتصميم في جامعة بيرزيت دينس صبح، فكان رأيه مختلف، فقال” أنا كمصمم وظيفتي إني أحل مشاكل للمشاهد، فالتصميم تبعي يملك وظيفة، فلذلك كمصممين نفصل حالنا عن مصطلح الفنانين لأن نحن لا نحاول وضع انطباعاتنا اتجاه قضية معينة بقدر ما نحاول حل مشكلة معينة”
وتابع صبح بالقول: “الفن الرقمي هو انطباعي وتصميمي من ناحية إذا أريد حل مشكلة أو لا”
وأضاف الأستاذ:” أن الفن الرقمي له فائدة من ناحية قدرتك على عمل عينات مختلفة من العمل، ونسخ مختلفة من العمل وهذه واحدة من مميزات الرقمي، ولكن من مميزات الفن التشكيلي التقليدي الذي يأخذ وقت وجهد أكثر أن له قيمة أكبر”
قيمة العمل الفني بين اللوحة والشاشة
هل يفقد الفن قيمته عند تحوله إلى رقمي؟
في هذا الجانب اتفق الفنانان علي ومحمد على أن الفن التشكيلي يفقد قيمته عندما يتحول إلى فن رقمي.
فقال الفنان علي: “الفن الرقمي عابر وليس له قيمة بالنسبة للأصالة، ولكن ربما قيمته بالفكرة وليس بالإبداع، فيبدع فيه الفنان بالفكرة أما ابداع كعمل فني لا يوجد به”.
وأضاف الفنان”في إحدى لوحاتي سقطت دمعة مني على اللوحة وامتزجت باللون فأكملت اللوحة، بمعنى أنه من الممكن أن تسقط قطرة دم أو عرق الفنان على اللوحة وتمتزج بالرسمة، فبذلك كله لا يمكن المقارنة بين الفن التقليدي الأصلي وبين الرقمي”
وفي نفس السياق قال الفنان علي:” لوحة مرسومة بالألوان الزيتية أو بالفحم لها تأثير خاص، وأنا أنظر لها كلوحة لها قيمة لكن الفن الرقمي صحيح نعجب فيه ولكن لا نستطيع أن نقتنيه ولا يعلق في اذهاننا لأن الفنان لم يضع شخصيته واسلوبه في الرسم داخل اللوحة فلا تبقى خالدة”
وتابع بالقول” هناك لوحات خالد عالمية مثل لوحات فان كوخ، فأنت عندما ترى لوحاته تقول هذا الفنان عانى كثيرا في حياته لأنك تقرأ من خلال الرسومات نفسية الفنان”
أما بالنسبة للأستاذ دينس صبح، فاتفق مع ما قاله الفنانان محمد وعلي، فقال: “أعتقد أن الفن التشكيلي قيمته أعلى لأن القيمة موجودة بالمهارة، مثل مهارة النحت والرسم، أما الرقمي فهو متجدد وإلى الآن لا نعلم إلى أين سيصل”
وأضاف صبح:”غلاوة الفن التشكيلي بالجهد والمادة والوقت والحجم ولكن عندما يرتبط العمل الفني بحجم شاشة الهاتف يفقد القيمة الخاصة فيه لأن اللوحات كلها تكون بنفس المكان على عكس أنها تكون موجود على الحائط في المعرض”
هل الرقمي يجسد روح اللوحة؟
أيدَ الفنانان محمد وعلي، أن الفن يفقد روحه بمجرد تحوله إلى رقمي أو الكتروني.
فيقول الفنان علي” يفقد الفن الالكتروني روحه، لأن الفنان واللوحة يحصل بينهما تفاعلات نفسية وعاطفية وتفاعل مع اللوحة وموضوعها، فمن خلال اللوحة نرى رؤية الفنان ونظرته الخاصة ويوجد تفاصيل يراها الفنان لا يستطيع أحد رؤيتها، فالفنان يضع روحه ونظرته وألوانه باللوحة”
ويؤكد ذلك الفنان محمد بقوله:”تفقد اللوحة روحها بالتأكيد، بمعنى يوجد فرق بين خط اليد الذي له روح والخط العادي على الكمبيوتر، وكذلك الرسومات التي على الكمبيوتر تفقد روحها وشخصيتها، لأن الرسومات عادة تلامس الروح ونستخدم بها الظل والنور والعمق وغيرها وتكون الألوان واضحة”.
وتابع أن الفن الرقمي يمكن أن ينتج مثل هذه اللوحات ولكن لا يتساوى قطعيا مع الفن التقليدي.
الأستاذ دينس كان له رأي مختلف حول ذلك، فقال” الفن الرقمي يمكن أن يعرض روح العمل بطريقة كثير أسهل من اللوحة”
وأضاف صبح أن” الفنان التشكيلي الناجح هو الذي يستطيع نقل روح اللوحة بطريقة سهلة، ولكن الفنان الرقمي يملك الكثير من المجالات لنقل روح العمل”
ما بين الإتقان والحرفية، أيهما يتفوق؟
ما بين استخدام الريشة والقلم الضوئي، اختلفت الآراء حول دقة وحرفية المنتج الفني، فيرى الفنان علي أنه لا مجال للمقارنة بين التقليدي والرقمي بهذا الجانب، فهو يعتقد أن الفنان الرقمي يمكن بحركة بسيطة أن يتجاوز الكثير من الخطوات والوقت مقارنةً بالفنان التقليدي.
ويختلف الفنان علي مع الفنان محمد بهذه النقطة، فقال:”أنا أعتقد إذا كان الفنان محترف ويمسك الريشة مثلا في الخط العربي أو يمسك الريشة في الرسم يمكن أن ينتج لوحات دقيقة في غاية الدقة ولكن لا يتساوى مع الفن الرقمي وهو فن دقيق جدا فلذلك نلاحظ اللوحات الرقمية فيها نوع من الدقة الكبيرة جدا ولكن لا يتساوى الإثنان بالدقة”، مؤكدا أن كل فن له مميزاته وصفاته.
هل يعكس الفن الرقمي مشاعر وشخصية الفنان؟
اجمع الفنانان علي ومحمد على أن شخصية ومشاعر الفنان لا تظهر باللوحة الرقمية، فقال علي: “ شتان بين رسمة الكترونية وبين رسمة تراها على أرض الواقع، فتلمس روحها ويكون في تفاعل مع اللون ويكون لها ظهور معين”
وتابع أن:” الفنان يفقد شخصيته عندما تتحول اللوحة الى الكترونية، ففي الرسم الالكتروني الفكرة تكون رائعة جدا ولكن لو رسمها الفنان بيده سوف تكون أروع”
وأضاف أن” الرقمي يساعدنا في أشياء معينة مثلا رسام يرسم عن الأحداث اليومية، فالرقمي يُعطي مجال واسع للفنان ليضع فكرته ويصدرها بسرعة وهذه من فوائد الرقمي أما كعمل فني خالد فلا”
واتفق الفنان محمد مع ما قاله الفنان علي وقال: “ مهما حاول الفنان أن يضع شخصيته في هذه اللوحة لا تظهر، أنا بعتقد أن الفن الرقمي يكون فن جامد نوعا ما ولا يعطي العاطفة المطلوبة”
وأضاف أن “شخصية الفنان التشكيلي تظهر في عمله حتى دون أن نرى توقيعه على الرسمة لانه شخصيته تنعكس على الرسمة والنمط الموجود فيه”
وأكد نمر على أن مهما عبر الفنان الرقمي لا يمكن أن يصل للتعبير الموجود بالفن التقليدي.
من جهته، يرى الأستاذ دينس أن الفن الرقمي يستطيع ايصال مشاعر الفنان لأنه يملك مجال لعرض الفكرة بعدة طرق مثل الفيديو، بوستر، وصور، والأنيميشن وغيرها من المجالات الكثير، وأضاف حول ذلك:” أنا عندما أنظر إلى لوحة ما يكون صعب علي أن أفهم مشاعر الفنان الذي عمل اللوحة”
تأثير التقنية على متذوقي الفن؟
يرى الفنان علي السرطاوي أن الفن الرقمي تأثيره لحظي وآني ولا يمكن اعتباره عملا فنيا فريدا وخالدا.
وعن تأثير الفن الرقمي على متذوقي الفن قال السرطاوي:”الفن الالكتروني يؤثر على لغة التواصل البشرية، مثل ما التكنولوجيا بشكل عام أثرت على لغة التواصل في الكتابة والقراءة والتفاعل في المجتمعات وأثرت وأدخلت علينا مصطلحات جديدة وأساليب جديدة بالحياة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، فأيضا الفن الالكتروني يؤثر على منظومة الحس البصري للناس”
وختم السرطاوي بالقول: “الفن يبقى موجود وأكبر دليل الفنون التي تصلنا من عصر ما قبل النهضة والفنون الاسلامية، والفن التشكيلي التقليدي هو الأفضل وهو الذي سيصمد وسيبقى، وسوف تعود الناس لتلتف حوله مرة آخرى”
و الأستاذ دينس له وجه نظر مشابه فهو يعتقد أن وجودك في حضرة العمل الفني له معنى روحاني، فيكون في ترابط بينك وبين اللوحة، ولكن عندما تشاهدها على الهاتف، فلم يعد لها وجود فعلي.
هل يوجد اهتمام من قبل وزارة الثقافة بالفنون الجديدة؟
قال الفنان محمد الذي يعمل كرئيس للمجلس الاستشاري لوزارة الثقافة في محافظة سلفيت ، أن الوزارة مهتمة بهذا النوع من الفنون،ولكن لا يوجد إلى الآن برامج خاصة بالفن الرقمي، ومن الممكن أن تطرحه على شكل دورات وتدريبات لطلبة المدارس في الفترة القادمة وخاصة أن اقبال الطلاب كبير على هذا النوع من الفنون.
وأكد على أن هذا المجال سيصبح واسع مع مرور الوقت، وسوف يدخل في كافة جوانب حياتنا ويصبح فنانا أساسيا لا يمكن الاستغناء عنه. وأضاف أن وزارة الثقافة والمديريات تُعنى بهذه الجوانب وتهتم في اكتشاف مواهب جديدة كل عام.
وحول هذا الموضوع قال الأستاذ دينس ” نحن نفتقر إلى الثقافة بشكل عام، ولا نعطيها حقها، ومن ناحية جهد الوزارات والجهات الرسمية فيوجد جهد كثير ناقص اتجاه الفن”
وأضاف صبح” زمان كان عنا اهتمام كبير بالثقافة، فكان عنا مكتب الإعلام الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهذا كان من أهم منابر الفن والثقافة بثورتنا وأيضا مؤسسة صامد التي كانت داعمة للفن في الداخل والخارج الفلسطيني، ولكن لا أعلم ما سبب الفراغ الذي نشهده في الفترة الحالية”
فيما أكد الفنان علي السرطاوي على ما قاله الأستاذ دينس، فقال: في تقصير من الجهات الرسمية وفي ظروف صعبة بالنسبة للفنانين العرب بالذات ومن ضمنهم إحنا كفلسطينيين، وفي تقصير بعدد المعارض الفنية الموجودة بالبلد، فنرى في الآونة الأخيرة أصبحت ظاهرة عرض الرسومات على السوشل ميديا منتشرة، وساعد على تكاثرها ظروف الكورونا، فلجؤا لفكرة المعارض الرقمية”
وختم بقول:” الفن التشكيلي سيبقى خالداً، فأنت ترى اللوحة على أرض الواقع وتلمس روح المكان وروح الفنان التي رُسمت بتعبير صادق عن المكان وهذا ما اُحاول إيصاله من لوحاتي الخاصة بطبيعة فلسطين فهو ليس عمل تجاري، فأنا أعتبره عمل وطني”
وفي الختام، يبقى الجدل قائما ما بين فنا يستخدم الريشة، وفنا يستخدم القلم الضوئي، ولكن لكل فن جمهور ومتذوقين، ولكل فن مجالاته ووظائفه.


