الكاريكاتير …. سخرية لاذعة تعبر عما عجز عنه الكلام
استخدام السخرية لانتقاد الممنوع، هذا ما يقوم به فن الكاريكاتير بلغة تهكمية بسيطة تحمل بداخلها مضامين قوية تعبر عن قضايا إنسانية أو واقع سياسي يعجز الكلام عن التعبير عنه، فكيف يمارس فن الكاريكاتير سلطته؟ وكيف يكون أداة لتحريك الرأي العام؟ وما دور الضحك والسخرية في هذا الفن؟ وهل يحظى باهتمام ودعم في فلسطين؟
الخروج عن الإيقاع بلغة تهكمية ساخرة
لطالما استطاع فن الكاريكاتير التعبير عما يمر به الشارع من ألامٍ وأمال بلغة بسيطة تحمل خطاب شعبوي يدركه كافة فئات المجتمع بمختلف مستوياتهم وقدراتهم، وهذا ما جعل منه فنا يتداوله كافة فئات المجتمع وخاصة بعد دخول ثورة الإنترنت.
وعن دور فن الكاريكاتير قال الرسام ناصر الجعفري” دوره الأساسي هو توعوي وربما يكون تحريضي في مرحلة معينة من مراحل الشعوب، وممكن أن يكون تحفيزي وناقد، فبتالي يوجد عدة أدوار له مرتبطة بالمجتمع الذي يوجد فيه الكاريكاتير وبزمن النشر”
وتابع بالقول”تختلف المهمة والدور ولكنه موجود كرسالة إيجابية بكل الأحوال للمجتمعات بمعنى هو ينتقد ما هو سلبي ويقدم لما هو ايجابي ويحفز القيم العليا عند الإنسان ويعمل ضد قيم التمييز والاعتداء ومصادرة الحقوق والعنف وكل ما هو سلبي ناقد له، وكل ما هو إيجابي محفز له”
وفي ذات السياق قالت الرسامة أمية جحا:” مهنة رسام الكاريكاتير أن ينتقد الواقع السلبي وينتقد الظروف السلبية، وأدوار المسؤولين عن الشعب، فهو العين النقادة وينبع من الشعب وهذا هو فنان الكاريكاتير الحقيقي”.
وحول ما يميز فن الكاريكاتير قال رسام الكاريكاتير الفنان رائد قرعان ” ما يميز فن الكاريكاتير عن غيره من الفنون أنه فن يتمرد على القوانين الأكاديمية والكلاسيكية في المدارس الفنية فهو لا يعترف بالنسب أو الإيقاع أو الخطوط الأساسية أو الواقعية وإنما يبالغ بشكل هزلي في النسب والحجم”
وحول ما يميز فن الكاريكاتير قال رسام الكاريكاتير الفنان رائد قرعان ” ما يميز فن الكاريكاتير عن غيره من الفنون أنه فن يتمرد على القوانين الأكاديمية والكلاسيكية في المدارس الفنية فهو لا يعترف بالنسب أو الإيقاع أو الخطوط الأساسية أو الواقعية وإنما يبالغ بشكل هزلي في النسب والحجم”
فن عابر للقارات وأداة لتشكيل الرأي العام
يلعب الكاريكاتير دورا هاماً في التأثير على الرأي العام وخاصة في القضايا الوجدانية التي تمس الجمهور، فكيف يكون له دور في تشكيل الرأي العام؟
يعتقد الرسام وجدي أن الكاريكاتير من أسرع الوسائل في بناء الرأي العام وتشكيله باتجاه القضية التي يتبناها أو يطرحها، مضيفا أن” الفكرة التي تحملها الرسوم المبسطة التجريدية هي وسيلة فعالة في إيصال الانطباعات إلى جمهور المجتمع، ولا يمكن للكاريكاتير أن يكون فعالا إلا إذا أتيحت له مساحات الحرية التي لا يؤثر إلا من خلالها”
وحول هذا الموضوع قال الرسام ناصر” رسالة الكاريكاتير يمكن أن تعبر اللغات وأن تصل إلى متلقي في بلد آخر، وذلك بسبب أنه مشهد بصري، وعادة البصري يؤثر أكثر من الكتابة النصية ومؤثر أكثر من الفنون التشكيلة التي تخاطب النخب، فهو أسرع بالوصول وأبسط” وأضاف الجعفري” ممكن أن يشكل رأي عام في القضايا التي تحظى باهتمام شعبي عام كالقضايا الوطنية أو ما هو متعلق بالاحتلال والأسرى وغيرها، فهو يستطيع أن يدين الاحتلال بشهادات تاريخية، فبتالي هذا التأثير موجود والدليل أن الناس من سنة 87 إلى الآن وهي تتحدث عن حنظلة
وفي ذات السياق قالت الرسامة أمية عن رسم الكاريكاتير:” له دور كبير في تشكيل الرأي العام، خاصة إذا كان هناك تكثيف للصورة ولنفس الموضوع، وإذا اشترك عدة فنانين في التأثير حول قضية معينة”
سلاح للتغير أم أداة للسخرية والاستهزاء؟
يتميز فن الكاريكاتير باستخدامه للسخرية والضحك في التعبير عن القضايا المختلفة، ولكن هل هذا يعني أن هدفه الأسمى الضحك والسخرية؟
حول هذا الجانب قال الرسام قرعان ” فن الكاريكاتير هو فن يجرح ولا يدمي وهو مضحك مبكي في ذات الوقت وهو فن السخرية من الموقف والحدث، ومن وجهة نظري فإن استخدام هذا الفن من أجل السخرية أمر مرفوض كهدف بحد ذاته”
أما الرسام العاروري اعتبر الكاريكاتير سلاح إعلامي فعال وقوته في اسلوبه الساخر من شخصية ما أو قضية معينة مضيفا “من استهدفه الكاريكاتير بفكرة قوية كمن آلمه بسلاح أو أشهرهُ بنوع جذاب من الإعلام”
ومن جهته أكد الجعفري أن الكاريكاتر لا يمكن أن يكون أداة للاستهزاء أو السخرية، ولكنه يمكن أن يقدم القضايا الكبرى بقالب ساخر حتى يتم تناولها والاهتمام بها من الناس، مضيفا أن” هو فن قائم على رسالة واضحة ورسالة لها قيم عالية ولديه مهمة كبرى”
ومن جانبها قالت جحا:” الكاريكاتير يعتبر إحدى أدوات التغير، ولكنه يحتاج إلى غيره من الفنون والأعمال والمهن التي تتضامن مع بعضها البعض من أجل التغيير”
السخرية والضحك تعبر عما عجز الكلام التعبير عنه
اجمع الرسامون العاروري والجعفري وقرعان على أن الضحك هو اللغة الأقرب للجمهور، وقال العاروري حول ذلك” من طبيعة البشر أن الضحك والحركات الرسومية الساخرة ينجذبون إليها، ويبنون استطلاعاتهم المعرفية والثقافية، بسبب تخطيها القوالب الجامدة والرسمية التي تحكم الأعمال الثقافية والفنية الأخرى”
وأضاف الرسام”إذا الكاريكاتير تطرق إلى قضية محورية هامة في المجتمع فإنه ينتشر بين قطاعات واسعة تتعدى الطبقات المثقفة أو المتابعة للشؤون المجتمعية، فالكاريكاتير الساخر عبارة عن إشاعة سريعة عابرة لكافة فئات المجتمع”
اجمع الرسامون العاروري والجعفري وقرعان على أن الضحك هو اللغة الأقرب للجمهور، وقال العاروري حول ذلك” من طبيعة البشر أن الضحك والحركات الرسومية الساخرة ينجذبون إليها، ويبنون استطلاعاتهم المعرفية والثقافية، بسبب تخطيها القوالب الجامدة والرسمية التي تحكم الأعمال الثقافية والفنية الأخرى”
وأضاف الرسام”إذا الكاريكاتير تطرق إلى قضية محورية هامة في المجتمع فإنه ينتشر بين قطاعات واسعة تتعدى الطبقات المثقفة أو المتابعة للشؤون المجتمعية، فالكاريكاتير الساخر عبارة عن إشاعة سريعة عابرة لكافة فئات المجتمع”
فن لا يموت، كيف يلعب دورا في القضية الفلسطينية؟
لعب الكاريكاتير دورا محوريا في إيصال القضية الفلسطينية للشعوب، وهذا ما نراه اليوم في شخصية حنظلة التي استمرت حتى بعد وفاة صاحبها الفنان ناجي العلي، فهذه الشخصية حاضرة في كل ما يستجد على الساحة الفلسطينية، وكأن حنظلة حيا لا يكبر ولا يموت.
وحول ذلك، قال الرسام ناصر” الكاريكاتير لعب دور كبير في توثيق الصراع في القضية الفلسطينية، والشهيد ناجي العلي هو من أسس للقضية الفلسطينية في الكاريكاتير، ووَصَلَ رسالة أن الكاريكاتير يستطيع أن يقدم لقضايا إنسانية ضخمة بحجم القضية الفلسطينية، وهذا الذي عكس في ما بعد على الأجيال الأخرى لفن الكاريكتير وهذا بحد ذاته إنجاز لحالة الكاريكاتير التراكمي الذي أرساهُ الشعب الفلسطيني وفنانيه ووصل بالأمور إلى مرحلة أن الكاريكاتير نادرا ما ينحاز إلى الطرف الآخر وهو الاحتلال”
وفي هذا الجانب أكد الرسام وجدي أن ما يحكم على ضعف وقوة الرسومات في التأثير حول القضية الفلسطينية هو ما تحمله الرسوم من أفكار، فدعا العاروري إلى إخراج فكرة الرسوم بقالب إنساني يلامس مختلف الشعوب والأمم كي يؤثر بمن هم خارج فلسطين ويسهل عليهم فهمه والتأثر به.
وأكدت الرسامة أمية أن رسومات الكاريكاتير أثبت حضورها في نصرة القضية الفلسطينية والدليل أن الاحتلال يحارب المحتوى الإبداعي الفلسطيني مضيفتا:” شخصيا أغلق لي الاحتلال صفحتي الشخصية على الفيسبوك على مدار ثلاث مرات وحُوربت بكثير من الرسومات، وهذا يعني أن فن الكاريكاتير سلاح فعال في نصرة القضية الفلسطينية”
رسومات صامتة، هل يفقدها النص قوتها؟
يمتزج النص مع رسم الكاريكاتير في بعض الأحيان، فما أهمية وجود النص في الرسم الكاريكاتيري؟
اجمع الرسامون قرعان والجعفري والعاروري على أن وجود النص في الكاريكاتير في بعض الأحيان يضعف من قوته ويحد من انتشاره. فقال الرسام رائد قرعان أن” من وجهة نظري ارى أن اختصار النصوص بالقدر المستطاع يتيح سيادة وعمرا للعمل الفني بحيث يمتد إلى أكثر من مجرد عدد متصل بواقعة معينة ومع ذلك فإن استخدام النصوص وخاصة الأمثال الشعبية والنصوص العامة قد يثري العمل الكاريكاتوري حسب الحاجة”
وأيد الرسام وجدي العاروري ذلك، وقال في ذات السياق” الأصل بالكاريكاتير هو رسم مجرد تلقائي يُعبر عن فكرة صامتة، وكلما دخلت كلمة عليه كلما كانت على حساب قوة الفكرة، فاستخدام النص في الرسم يعتبر ضعفا في القدرة على التعبير الصامت”
أما الرسامة أمية فكان لها رأي مختلف، فقالت حول ذلك:” أعتقد أن وجود النص مهم وذلك يعتمد على الفكرة وقوة الرسام، لأنه في بعض الأحيان يكون الرسم عادي ولكن تكمن قوة الرسمة بالنص، وأيضا ليس كل رسام لديه القدرة على ابتكار نصوص لها قوتها التأثرية”
فن الكاريكاتير في ظل السوشيال ميديا
أتاحت السوشيال ميديا إلى ظهور الفن بطريقة الكترونية أو رقمية، فأصبحنا نرى نوع جديد من الفن يعتمد على الرسم بالقلم الضوئي بدل الفرشاة، فكيف عكس ذلك على الرسم الكاريكاتيري؟
يعتقد الرسام ناصر أن السوشيال ميديا أتاحت للجيل الناشئ أن ينشر بحرية أكبر على عكس رسامين الكاريكاتير الذين يعملون بالصحف فقد كانوا مقيدين بوقت معين للنشر.
وأضاف الجعفري حول ذلك:” دائرة المتلقي أصبحت أوسع بالنسبة للرسام الكاريكاتوري، وردة الفعل من المتلقي مباشرة نستطيع من خلالها معرفة وجهة نظرهم وانتقاداتهم”
كما يعتقد الرسام أن السوشيال ميديا أتاحت للفنان الإطلاع على تجارب الآخرين، وكان لها دور إيجابي كون الكاريكاتير فن مرن يتأقلم مع كل ما هو جديد. ويتنبأ الجعفري أن مستقبل الكاريكاتير سوف يكون على شكل “أنيميشن” متحرك أكثر من كونه صورة ثابتة.
ومن جانبها قالت الرسامة أمية:” أصبح للكاريكاتر دور هام جدا في سهولة الانتشار وسرعة التأثير، وأتاحت منصات التواصل مساحة للموهوبين لنشر إبداعاتهم”
هل يستمر هذا الفن في ظل غياب مساحات الحرية والتعبير؟
مع الدور المهم الذي يؤديه فن الكاريكاتير وانتشاره الواسع، ما المكانة التي يحظى بها في الوطن العربي؟
في هذا الاتجاه قال الجعفري” الاهتمام بالوطن العربي هو ما بين مد وجزر، قديما كان يؤثر بشكل قوي عندما كان يُنشر في الصحف فكانت الناس تبدأ بقراءة الصحف من الصفحة الأخيرة”.
مضيفا في ذات السياق:” أعتقد الاهتمام ما زال موجود وذلك من حجم التفاعل على منصات التواصل وزيارة المعارض، فهو لازال فن يستطيع تقديم رسالة واضحة للإنسان ولا زال الاهتمام به قائم طالما الإنسان موجود، فالطبيعي أن يستمر، ويستمر الاهتمام به كرسالة حقيقة من الإنسان”
وحول دعم واهتمام الجهات والمؤسسات الحكومية بهذا المجال في فلسطين ، قال قرعان:” مع الأسف الشديد لا يوجد دعم من قبل الدولة لهذا النمط من الفن ويرجع ذلك إلى أن هذا الفن يتحرر من قيود الدولة فهو يعتبر سلطة سابعة تتابع أداء المسؤول وتوجه إليه إشارات تحمل في طياتها رسائل المجتمع النقدية للسياسات العامة”
وأتفق العاروري مع قرعان، وأكد على أن الدعم الحكومي لهذا الفن نادرا جدا بسبب معاكسته لتوجهات الحكومة، ونقده لسياساتها، وأنها تحارب هذا النوع من الفنون وتحجمه وتهدد أصحابه، مضيفا” أنا شخصيا قد تعرضت للتهديد بسبب رسوماتي الكاريكاتيرية، والحكومة تعجز عن إفراد مساحة حرية مناسبة لهذا النوع من الفنون اللاذعة”
ويعتقد الرسام وجدي أنه إذا وجد دعم حكومي أو مؤسسي لفنان الكاريكاتير في ظرف ما أو مكان ما، فهذا يعني أنه قد تجرد من رسالته الحقيقية وانجر خلف مصلحته المادية.
كسرت رسومات الكاريكاتير حواجز السلطة والحدود الدولية، سواء في القضايا السياسية أو الإجتماعية أو حتى الممنوع منها، واستطاعت أن تعبر عما عجز الكلام عنه بإسلوبها الساخر الذي يُجمع عليه كافة فئات المجتمع، على أمل أن تغييرَ مع عجزت عنه السياسات، ولكن هل يبقى للكاريكاتير صوته في ظل غياب الحريات؟


